اجراس كنائس اثيوبيا للكاتب طاهر العبسي
"رنين الجرس" 1963
التجويف النحاسي لناقوس الكنيسة يصدر رنين متتابع وصدى الأصوات يمتلأ به مرتفع التلة الجبلية.
لقد بدأت الترانيم المسيحية الصباحية في حي مجانانية (Megenagna ).
ومن شمال غرب مدينة أديس أبابا إرتفعت دقات أجراس الكنائس الأخرى تنادي بإقامة الشعائر الدينة المسيحية.
وبدت لي دقات الجرس الكبير المعلق في أعلا الكنيسة الأرثوذكسية المجاورة مألوفة.
وحاولت اتذكر ذلك الرنين وتلك الأصوات التي تعاظمت تدق بانتظام. لقد كان الصوت يأتي من صدى الماضي وانغامه.
واستيقظت الأحاسيس الداخلية فجأة وأضاءة شموس صغيرة لحظات من سنين العمر وما احتجب منها في الذاكرة المنسية.
وكان الرنين الذي اسمعه من حولي مماثلا لذلك الرنين الذي سمعته لأول مرة من جرس المدرسة. وأنا اخطو خطواتي الأولى إلى الساحة إلى الطابور الصباحي.
وتمثل الماضي السحيق من أمامي وخرجت من حاضري إلى عالمي الوردي.
كنت مبتهجا وأنا اتذكر لحظات رحلتي الأولى إلى المدرسة والتي بدأت في ذلك اليوم من قريتي الواقعة على ضفاف الوادي.
كان ذلك اليوم مختلفا تماما عن سائر الأيام وأنا أتجاوز حدود قريتي الشمالية.
إرتفعنا نصعد الجبال الشاهقة والشفق الزاهي يغمر الكون.
والشمس لاتزال تحتجب خلف الجبال البعيدة.
وسارت قافلة صغيرة من خلفنا مكونة من عدد قليل من الحمير تحمل الخضروات والكراث والفجل وبعض الفاكهة.
كان أهل الوادي يذهبون في رحلاتهم المعتادة إلى أسواق القرى الواقعة فوق المرتفعات الجبلية.
وتقدم "علي" صاحب الحمار الأشهب بوجه بشوش ومرح وقال لي :
قلد صوت الحمار "نووق" فأنت تخرج من القرية لأول مرة وتذهب إلى المدرسة واستمر يضحك بصوت مرتفع.
وفي ذلك الصباح ازدحم الطريق بأهل القرى المجاورة ورأيت رعاة الأغنام يتجهون الى الجبال.
ولم اعد اتذكر إن كان الوقت هو شهر أيلول سبتمبر أو منتصف شهر أغسطس.
وكل ما اتذكره أنني كنت في اليوم الأول من العام الدراسي 1963/1964 والأرض من حولنا خضراء داكنة.
والمدرجات الزراعية ترتفع وترتفع ونحن نسلك ونصعد طرق كثيرة ومتشعبة.
وتجاوزنا التلال الواحدة تلو الأخرى حتى بدأنا نقترب من محيط المدرسة.
وتوقف "عمر" أمامنا وطلب منا ان ننتظم مرتبين في صف واحد نسير خلفه لنجتاز المسافة المتبقية إلى فناء المدرسة.
و"عمر" هو الطالب الذي أصبح في ذلك اليوم في الصف الخامس الابتدائي كان مرشدا ومسؤلا أمام ادارة المدرسة عن كافة الطلبة القادمون من الوادي.
ويثق به أولياء الأمور بأن يقدم العون والحماية لنا نحن الصغار خلال الإنتقال أو العودة من مدرسة الإرشاد ظبي.
وارتفعت رنات الجرس في ذلك اليوم كان الصوت يعلو وينخفض قادم من مكان ما من أمام المدرسة.
وكنا نحن نخطوا ونتقدم ونسير خلف "عمر" الذي رفع رأسه وانتصبت قامته .. وبدأ يحرك يديه نحو الأمام ونحو الخلف.
ونحن نسير خلفه ونقتفي أثره و نقتدي به.
كان عددنا حوالي (14) طالبا من قرية دعان وكان "عمر" ينظر إلينا بإعجاب وهو مزهو بنفسه .. كان أشبه بقائد عسكري يتفقد الجنود.
وظل يتقدم واشتد صوت الجرس إرتفع الرنين المتسارع ونحن ندخل فناء المدرسة.
كان الجرس يعلن عن بداية الطابور الصباحي والتلاميذ يهرولون بعجلة من أمرهم يدخلون ساحة المدرسة من كل الاتجاهات.
ويقفون في صفوف مرتبة ومنتظمة والمعلمون لاينفكون في توجيه إعوجاج الواقفون في نهاية الصفوف الخلفية.
وأشار لنا عمر أن ننخرط في طوابير الطلبة ونلتحم بهم.
ونادى مدير المدرسة بأسم "عمر" وطلب منه أن يبدأ التمارين الصباحية.
ووقف أمام طابور الصباح يؤدي التمرين الأول.
قفز إلى الأعلا وفرد ساقيه وبحركات سريعة رفع يديه يصفق في الهواء.
ثم هبط منحنيا صنع قوسا بظهره ولامس قدمه اليسرى بيده اليمنى.
وعاد يرتفع يصفق بيديه في الهواء ويكرر انحناءة ظهره بسرعة خاطفة ويلامس بيده اليسرى قدمه اليمنى.
وتراقصت الصفوف تتابع تدريبات "عمر" الجميع يؤدون التمرين الاول.
وانتقل إلى التمرين الثاني والثالث والرابع والخامس.
كان يلعب مثل بهلوان يهبط الى الأسفل وتهبط كل المدرسة معه ثم يصعد ويقفز ويتمايل نحو الخلف ونحو الأمام.
وصفوف الطلبة تتماوج وتنثني وتعوج وتستقيم وتعود إلى وضعها الطبيعي تتابع تدريبات "عمر".
وفي ذلك اليوم وجدت نفسي في حالة من الارتباك في عالم مختلف وأصبحت تائها وانا ادخل إلى فصل المدرسة.
واتذكر ان ادارة المدرسة خصصت فصلا تمهيديا لنا نحن المبتدأين الجدد كان يقع خارج مبنى المدرسة .. وحوله ضجيج سوق مقبرة النساخ.
كان الفصل دكان قديم سطحه الداخلي من الخشب البلدي وعيدان الحطب.
وكان صخبنا يرتفع بالبكاء والمشاجرات ويثير حفيظة المدرس "عبد الجبار".
مربي الفصل والذي كان شابا متحمسا شديد البأس قاسي يتناول من عيدان الحطب (القصع) من سطح الفصل.
ينتزع العود بقوة ثم يعاقب الجميع يضرب فوق رؤوسنا حتى نتألم ونسكت.
وفي نهاية عام 1963 استكمل بناء مدرسة التحرير مشاوز أعبوس.....وعمت الفرحة قلوبنا نحن الطلبة الصغار.
وتم قبولنا في الصف الأول الابتدائي وقبول فصل تمهيدي آخر إلى جانب فصلنا.
وكان لنا جرس يدوي نتخاطفه نقرعه بأنفسنا ....ثم استحدث اول مدير للمدرسة نظام الصفارة......Taher Abdulhak
التجويف النحاسي لناقوس الكنيسة يصدر رنين متتابع وصدى الأصوات يمتلأ به مرتفع التلة الجبلية.
لقد بدأت الترانيم المسيحية الصباحية في حي مجانانية (Megenagna ).
ومن شمال غرب مدينة أديس أبابا إرتفعت دقات أجراس الكنائس الأخرى تنادي بإقامة الشعائر الدينة المسيحية.
وبدت لي دقات الجرس الكبير المعلق في أعلا الكنيسة الأرثوذكسية المجاورة مألوفة.
وحاولت اتذكر ذلك الرنين وتلك الأصوات التي تعاظمت تدق بانتظام. لقد كان الصوت يأتي من صدى الماضي وانغامه.
واستيقظت الأحاسيس الداخلية فجأة وأضاءة شموس صغيرة لحظات من سنين العمر وما احتجب منها في الذاكرة المنسية.
وكان الرنين الذي اسمعه من حولي مماثلا لذلك الرنين الذي سمعته لأول مرة من جرس المدرسة. وأنا اخطو خطواتي الأولى إلى الساحة إلى الطابور الصباحي.
وتمثل الماضي السحيق من أمامي وخرجت من حاضري إلى عالمي الوردي.
كنت مبتهجا وأنا اتذكر لحظات رحلتي الأولى إلى المدرسة والتي بدأت في ذلك اليوم من قريتي الواقعة على ضفاف الوادي.
كان ذلك اليوم مختلفا تماما عن سائر الأيام وأنا أتجاوز حدود قريتي الشمالية.
إرتفعنا نصعد الجبال الشاهقة والشفق الزاهي يغمر الكون.
والشمس لاتزال تحتجب خلف الجبال البعيدة.
وسارت قافلة صغيرة من خلفنا مكونة من عدد قليل من الحمير تحمل الخضروات والكراث والفجل وبعض الفاكهة.
كان أهل الوادي يذهبون في رحلاتهم المعتادة إلى أسواق القرى الواقعة فوق المرتفعات الجبلية.
وتقدم "علي" صاحب الحمار الأشهب بوجه بشوش ومرح وقال لي :
قلد صوت الحمار "نووق" فأنت تخرج من القرية لأول مرة وتذهب إلى المدرسة واستمر يضحك بصوت مرتفع.
وفي ذلك الصباح ازدحم الطريق بأهل القرى المجاورة ورأيت رعاة الأغنام يتجهون الى الجبال.
ولم اعد اتذكر إن كان الوقت هو شهر أيلول سبتمبر أو منتصف شهر أغسطس.
وكل ما اتذكره أنني كنت في اليوم الأول من العام الدراسي 1963/1964 والأرض من حولنا خضراء داكنة.
والمدرجات الزراعية ترتفع وترتفع ونحن نسلك ونصعد طرق كثيرة ومتشعبة.
وتجاوزنا التلال الواحدة تلو الأخرى حتى بدأنا نقترب من محيط المدرسة.
وتوقف "عمر" أمامنا وطلب منا ان ننتظم مرتبين في صف واحد نسير خلفه لنجتاز المسافة المتبقية إلى فناء المدرسة.
و"عمر" هو الطالب الذي أصبح في ذلك اليوم في الصف الخامس الابتدائي كان مرشدا ومسؤلا أمام ادارة المدرسة عن كافة الطلبة القادمون من الوادي.
ويثق به أولياء الأمور بأن يقدم العون والحماية لنا نحن الصغار خلال الإنتقال أو العودة من مدرسة الإرشاد ظبي.
وارتفعت رنات الجرس في ذلك اليوم كان الصوت يعلو وينخفض قادم من مكان ما من أمام المدرسة.
وكنا نحن نخطوا ونتقدم ونسير خلف "عمر" الذي رفع رأسه وانتصبت قامته .. وبدأ يحرك يديه نحو الأمام ونحو الخلف.
ونحن نسير خلفه ونقتفي أثره و نقتدي به.
كان عددنا حوالي (14) طالبا من قرية دعان وكان "عمر" ينظر إلينا بإعجاب وهو مزهو بنفسه .. كان أشبه بقائد عسكري يتفقد الجنود.
وظل يتقدم واشتد صوت الجرس إرتفع الرنين المتسارع ونحن ندخل فناء المدرسة.
كان الجرس يعلن عن بداية الطابور الصباحي والتلاميذ يهرولون بعجلة من أمرهم يدخلون ساحة المدرسة من كل الاتجاهات.
ويقفون في صفوف مرتبة ومنتظمة والمعلمون لاينفكون في توجيه إعوجاج الواقفون في نهاية الصفوف الخلفية.
وأشار لنا عمر أن ننخرط في طوابير الطلبة ونلتحم بهم.
ونادى مدير المدرسة بأسم "عمر" وطلب منه أن يبدأ التمارين الصباحية.
ووقف أمام طابور الصباح يؤدي التمرين الأول.
قفز إلى الأعلا وفرد ساقيه وبحركات سريعة رفع يديه يصفق في الهواء.
ثم هبط منحنيا صنع قوسا بظهره ولامس قدمه اليسرى بيده اليمنى.
وعاد يرتفع يصفق بيديه في الهواء ويكرر انحناءة ظهره بسرعة خاطفة ويلامس بيده اليسرى قدمه اليمنى.
وتراقصت الصفوف تتابع تدريبات "عمر" الجميع يؤدون التمرين الاول.
وانتقل إلى التمرين الثاني والثالث والرابع والخامس.
كان يلعب مثل بهلوان يهبط الى الأسفل وتهبط كل المدرسة معه ثم يصعد ويقفز ويتمايل نحو الخلف ونحو الأمام.
وصفوف الطلبة تتماوج وتنثني وتعوج وتستقيم وتعود إلى وضعها الطبيعي تتابع تدريبات "عمر".
وفي ذلك اليوم وجدت نفسي في حالة من الارتباك في عالم مختلف وأصبحت تائها وانا ادخل إلى فصل المدرسة.
واتذكر ان ادارة المدرسة خصصت فصلا تمهيديا لنا نحن المبتدأين الجدد كان يقع خارج مبنى المدرسة .. وحوله ضجيج سوق مقبرة النساخ.
كان الفصل دكان قديم سطحه الداخلي من الخشب البلدي وعيدان الحطب.
وكان صخبنا يرتفع بالبكاء والمشاجرات ويثير حفيظة المدرس "عبد الجبار".
مربي الفصل والذي كان شابا متحمسا شديد البأس قاسي يتناول من عيدان الحطب (القصع) من سطح الفصل.
ينتزع العود بقوة ثم يعاقب الجميع يضرب فوق رؤوسنا حتى نتألم ونسكت.
وفي نهاية عام 1963 استكمل بناء مدرسة التحرير مشاوز أعبوس.....وعمت الفرحة قلوبنا نحن الطلبة الصغار.
وتم قبولنا في الصف الأول الابتدائي وقبول فصل تمهيدي آخر إلى جانب فصلنا.
وكان لنا جرس يدوي نتخاطفه نقرعه بأنفسنا ....ثم استحدث اول مدير للمدرسة نظام الصفارة......Taher Abdulhak
Comments
Post a Comment