خبخبت الرجع و جبال حيفان من كتابات طاهر العبس

"خبت الرجع وأضواء حيفان"

بعد أن تجاوزنا مفرق الراهدة حيفان حل ظلام الليل.
ولم نعد نرى ما حولنا لقد اختفى وادي الشويفة الذي كان على يسارنا.
 واختفت الحقول والسهول من خلفنا .. وكان كل شيئ يغرق وسط العتمة. وبدأت الحافلة في ذلك الوقت تصعد الجبال.

وقال لي المؤيد :
 إين نحن !! .. و إلى أين نتجه الآن ؟

كان "المؤيد" هو أحد المسافرين إلى مدينة عدن يجلس بجانبي في الحافلة. وبين فترة وأخرى  يتحدث إلى أهله عبر الموبايل .. لقد كانوا على اتصال دائم به  يطمئنون عليه.

ومنذ الصباح الباكر ونحن نخوض في رحلة طويلة من مدينة صنعاء  ..  وكانت طريق حيفان عدن هي الممر الوحيد المفتوح أمام المسافرين.

ولاشك أن السفر في زمن الحروب يبعث القلق والخوف.
لقد خضعنا للتوقيف والتفتيش في أماكن مختلفة.
 وفي كل مرة يدققون في فحص الهويات والأسماء والألقاب.
 وتدور حولنا الشكوك عند كل نقطة نتوقف أمامها.

  ويوجه العسكر  بعض الأسئلة الغريبة التي تبعث الإزعاج والتوتر والملل.

كان التعب والإرهاق قد نال منا وأصاب ركاب الحافلة جميعا. بعد إثنى عشر ساعة من السفر الطويل.

وفي وادي ورزان الواقع قبل مفرق الراهدة حيفان. جمعوا الهويات وجوازات السفر في نقطة التفتيش.
وبدا الجندي الشاب مرتبكا وهو يوجه الأسئلة للركاب.

وقال إلى أين أنتم مسافرون؟  ورد عليه سائق الحافلة كل الركاب مسافرون إلى عدن.

لقد وصلوا إلى الحوبان تعز بباصات الشركة من صنعاء.  وناول الجندي الكشف المطبوع بأسمائنا.

 ونادى الجندي احد الركاب  اختار اسمه عشوائيا وبعد أن عرف هوية الراكب ووجهة سفره إلى السعودية اعترض قائلا :
 لماذا تسافر إلى الرياض هل طلبك الملك سليمان؟
وصمت الجميع داخل الحافلة .. كان الجندي الشاب يمزح.

 ولم ينتظر الرد على تسائله وأشار إلى سواق الحافلة أن يمضي في  طريقه.

ووسط عتمة الليل بدأنا نصعد المرتفعات الجبلية.
ورأيت النجمة البارزة  المضيئة المعلقة في الإتجاه الجنوبي الغربي لنقيل الزربي.

وكان بريق ضوء النجمة يعيد لي تفاصيل المساء في ريف حيفان الذي طالما اشتقت لرؤيته.

وحاولت أن أستطلع فضاء الليل الواسع ورؤية المزيد من النجوم ولم أستطع.
 فالطريق الجبلي منحني والحافلة تقطع المسافات بين القرى المزدحمة والتي بدت أكثر إضاءة.
 قناديل ومصابيح القرى تلمع ويشع منها النور بريقا في صدر الجبل.
 انهم يستخدمون الطاقة الشمسية بشكل واسع.

وتزاحم الضوء في أفق الليل كان الضوء يأتي  من القرى الجبلية البعيدة على امتداد الأعروق  وحتى جبال الأعبوس.

ومن فوق مرتفعات حيفان  اتجهنا جنوبا وبدأنا  بالإنحدار نحو الأودية الضيقة.

 وظل معظم الركاب  يتسائلون كم تبقى من الوقت حتى نصل إلى عدن ؟
كانت سلسلة جبال حيفان تنتهي على أطراف وادي الأحكوم.

 وبين السوق الواقع في الوادي "سوق الخزجة" وبين جمرك المفاليس 15 دقيقة بالسيارة من خلال الطريق المعبدة بالاسفلت.

 ولكن طريق المفاليس مغلق بسبب الحرب الدائرة بين القوات الشمالية وبين القوات الجنوبية .
وأن اختلفت مسميات تلك القوات  .. قوات الشرعية وقوات الجيش واللجان الشعبية.

وكان علينا ان نخوض داخل وادي ضباب الأثاور لمدة ساعة ونصف حتى نصل إلى جمرك المفاليس .
ثم المرور إلى طور الباحة بلاد الصبحي لحج وكان أمامنا 4 ساعات أخرى حتى نصل إلى مدينة  عدن.

و بدت النجوم معلقة فوق أفق الشرق متدلية تزين سماء الليل الذي غاب عنه القمر.

وكان في القلب حسرة .. لقد كانت قريتي تحت سماء الشرق.
قريبة لا يفصلني عنها سوى أكمة الجبل والتلة الصخرية المرتفعة.
ولكن الطريق إليها مغلق بسبب الحرب الدائرة .

وبين التلة الصخرية  المرتفعة وبين الوادي ودارنا القديم  أسوار الحروب ودمار آلات القتل. والليل المتوحش بين خطوط التماس الذي تشتعل فيه نار المعارك..

كانت مواقع االجيش الشمالي فوق الجبل .. ومواقع  ثكنات قوات الشرعية في الوادي.

 و المعارك تشتد  بين الجبل والوادي بمختلف أنواع الأسلحة حينما يحاول طرف الإستيلاء على مواقع الطرف الآخر.

وقد تشارك طائرات التحالف بتدمير المواقع  ويصاب الأخوة الأعداء بالإرتباك والإضطراب في معاركهم الخاسرة.

ومضينا في رحلتنا نحو مدينة عدن .. وتجاوزنا جمرك المفاليس وطور الباحة.
 وابتعدنا عن خطوط التماس الخطرة  وأصبحنا في طريق السلامة.

وبدأ التسائل حولنا يقل وتلاشت الشكوك .. وتوغل ركبنا المسافر داخل صحراء لحج وخبت ام رجع.

واتسعت دائرة الليل في الفضاء .. وامتد الكون  عميقا سرمديا بلاحدود فوق الصحراء.

 وتجلت رؤية النجوم بوضوح تام .. رأيت النجم القطبي ونجم الشحري.
 وهي نجوم كنت ارصدها واراقبها  من قريتي من ريف حيفان الجميل.

وتلألأت النجوم في صفحة الليل البهيم الحالك  السواد.

ونظرت من نافذة الحافلة نحو الشمال وادهشني الضوء الليلي القادم من مدينة معلقة بين السماء والارض .. ووقعت في حيرة شديدة.

اين تقع دائرة الضوء وما اسم تلك المدينة الليلية المجهولة.
 والتي كنت أشاهدها لأول مرة من خبت ام رجع من صحراء لحج.

وحين كنا نقترب من الفرشة وهو مكان بيع الحلاوة ومطاعم ومسجد واسع.
 قال لي أحد الركاب وهو تاجرا يسافر بين مدينة تعز ومدينة عدن.
إن تلك الأضواء المنيرة الباهرة هي أضواء مرتفعات جبال حيفان.

وتذكرت جيدا أننا كنا نشاهد اضواء مدينة عدن
من  فوق جبال حيفان.
واختلف الأمر تماما أصبحت أضواء جبال حيفان  دائرة ضوء واسعة تزين وجه الليل بدهشة عظيمة......Taher Abdulhak

Comments

Popular posts from this blog

قبائل الهمر اثيوبيا

جما مدينه مدينه زراعه البن